الرئيسية / مقالات / أراء / نزار سمير يكتب | ” ثورة 29 سبتمبر اليوغسلافية مثال للثورات السلمية الحكيمة الديمقراطية ” ..
" سلوبودان ميلوسوفيتش "

نزار سمير يكتب | ” ثورة 29 سبتمبر اليوغسلافية مثال للثورات السلمية الحكيمة الديمقراطية ” ..

” مؤسس ورئيس تحرير صحيفة ( الحدث العربي )، ( نزار سمير ) “

ظهرت صورة الطاغية اليوغسلافي ” سلوبودان ميلوسوفيتش ” على صفحة غلاف المجلات وقد رشقت بقبضة من وحل على وجه مكفهر وكانت نهايته بثورة سلمية بدأت بإضرابات عمال المناجم في 29 أيلول / سبتمبر 2000 م في ” كولوبارا وهي مديرية في صربيا، وعاصمتها فاليفو ” لتتدفق لاحقًا مئات الآلاف إلى شوارع العاصمة فتحتل كل المراكز الهامة بدون دماء بعد أن سقط النظام في الخريف كما تتساقط أوراق شجر القيقب في كندا مضرجة بالأحمر الزاهي.

وعبر عن هذا التحول الجديد الزعيم اليوغسلافي ” فويسلاف كوستونيكا ” قبل أيام من إطاحة الطاغية ” ميلوسوفيتش ” : ” إنه يمكن لنا أن نحقق ثورة سلمية حكيمة متحضرة ديمقراطية “.

إنه التصدي لإستئصال سرطان خبيث، نعم إن الديكتاتورية سرطان خبيث ينمو ببدايات بسيطة لا ينتبه لها أحد مثل الغرسة الضعيفة لتصبح شجرة باسقة طلعها كأنه رؤوس الشياطين تظلل بأغصانها شعوب كاملة بالرعب وتغلف سماء حياتهم بشفق أحمر من المعاناة.

وتبقى المراهنة في التخلص من الطغاة على تحرك الجماهير ” سلميًا ” إلى الشوارع تطالبهم بالتنحي، وهذا الذي حدث في يوغسلافيا عندما أقتحمت الجماهير في أيام قليلة أماكن الإستبداد وكنستها بعد ثلاثة عشرة عامًا من الطغيان.

الوصفة التي نجحت في يوغسلافيا تثبت أن فعاليتها في أماكن أخرى من العالم الثالث ترزح في سلاسل الديكتاتورية : ” إن السؤال في كيفية التخلص من طاغية هو من أكثر المسائل الشائكة غي السياسة الخارجية ” ليصل في النهاية إلى الدرس المستفاد من صدع البلقان ” في الوقت الذي تشجع الديمقراطية تحصد سقوط عتاة الطواغيت “.

إنه من العجيب والمدهش أن الصورة التي أخذها العرب عن الصرب هي أنهم قتلة، ولكن صور التلفزيون تنقل لنا إنجازهم الرائع بحيث نقف نحن خلفهم بدرجات عما حققوه.

وكل السر أن نُضج الأمة هناك وصل إلى مستوى تشكيل المعارضة العاقلة بحيث نرى إنتخابات فيها قدر من المعقولية وإمكانية أن تفتح المعارضة فمها للمواجهة.

هزيمتنا أمام الأنظمة القمعية ليس لها حدود في إستعمار جديد بدون إحتلال عسكري تثبت طفولة سياسية وأمة قاصرة تعجز عن حكم نفسها.

إن رحلة الديمقراطية لم نبدأها بعد بدون تباشير إلى الإهتداء إلى طريق في الصحراء العربية.

ومع كل الفظاعات التي حصلت في يوغسلافيا تبقى أمة فيها قدر كبير من النُضج والعافية بحيث تحرك مظاهرات وتخرج قيادات تتحدى الطاغية وتزاحمه في الإنتخابات.

أما عندنا فهي تتكون في ثلاث صور : إما إلوهية الحاكم، أو التصويت لواحد ليس عندنا بديل عنه في أمة عقيمة ملغية، أو وضع ديكور سياسي كاذب.

وبهذه الصورة من التألق يجب فهم كيف حدث ما حدث وكيف أنجزت صربيا ثورتها السلمية وأن في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يفترى.

إنها حكمة بالغة في إدراك أن العوامل الداخلية هي التي تلعب الدور الفيصل في ولادة الأحداث.

إن ما حدث في يوغسلافيا هو من المناخ الأوروبي الذي يظلل مساحات من التربية العقلية وإفراز المؤسسات.

الجدير بالذكر أن الفيلسوف البريطاني ” برتراند راسل ” طريقة مثيرة لتعليم الأطفال، وهي عرض أشد الآراء تضاربًا على وعيهم من أجل ثلاثة أمور : تخليصهم من الإيديولوجيات الصارمة، وتحصينهم ضد البلاغة والمحسنات اللفظية، وأخيرًا بناء العقل النقدي. يقول ” برتراند راسل ” في كتابه ” القوة ” تحت عنوان ” ترويض السلطان ” : ” ولو قدر لي التحكم في شؤون التربية لعرضت الأطفال للإستماع إلى ما يقوله أكثر الدعاة غلوًا وعنفًا من جميع الفرقاء عن مختلف المواضيع المهمة، على أن يتحدث هؤلاء الدعاة إلى المدارس عن طريق الإذاعة البريطانية. وعلى المدرس بعد ذلك أن يدعو الطلاب لتلخيص الحجج التي أستعملت وأن يُدخل برفق في عقولهم الرأي القائل بأن البلاغة تتناسب تناسبًا عكسيًا مع المنطق السليم، ولا ريب أن من أهم الأمور لمواطني النظام الديمقراطي الحصول على المناعة من البلاغة “.

الحكم المطلق المرتبط دائمًا بعقيدة مطلقة، ومناخ من هذا النوع يعتمد أكثر من الحجة التكرار الببغائي والهوس العقائدي، وهذا يخلق في النهاية ليس حزبين يتحاوران بل جيشين يتصادمان، ولا يمكن بأي حال بناء حياة ديمقراطية أو نقاش برلماني في جو من هذا النوع. مع هذا يجب الإنتباه إلى عمل الوجدان، فالإدراك لا يحرك إلى العمل كما تفعل المشاعر. وفي تعبير ” برتراند راسل ” : ” الحكمة ليست شيئًا إدراكيًا مجردًا. فالإدراك قد يوجه ويرشد ولكنه لا يولد القوة إلى العمل فهذه القوة يجب أن تستمد من المشاعر ولا تتولد المشاعر التي تؤدي إلى نتائج إجتماعية مستحبة بطريقة سهلة تشبه تلك التي تتولد فيها مشاعر الكراهية والسخط والخوف “.

حتى يتم التخلص من الإستبداد لا بد له من وعي، وكما يقول ” ماركس ” من أن الفقر لا يفجر ثورة بل وعي الفقر ولا شيء يحرك المشاعر أكثر من إدراك الفروق والإحساس بالظلم، ولكن الوعي لا بد له من نشر، وهذا يقود إلى فكرة ( تمليح المجتمع ) من خلال حمل ( كتلة حرجة ) من الناس الفكرة الجديدة أو بتعبير ( الكواكبي ) : ” فالأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الإستبداد لا تستحق الحرية “.

إن مثلث النهوض بالأمة هو ثلاثة عناصر : ( مؤسسات + أفكار + أشخاص ) ولا بد من توافر ( الكتلة الحرجة ) فيه كما هو الحال في كل سر دوائي أو صناعة حربية.

فالقنبلة النووية مثلًا كانت الكتلة الحرجة فيها سرًا حربيًا لا بد من الوصول إليه حتى يحصل الإنفجار، والماء حتى يغلي لا بد له من درجة حرجة، كذلك الإنتفاضات الجماهيرية لا بد لها من درجة سخط حرجة وشعور جماهيري أنه ( لا بد من التغيير ) وهي مشاعر جماعية فلا بد يفرق في هويات المتنازعين فكريًا ولا بد من إيجاد شبكة إتصالات بينها على شكل ( تنظيم هلامي ) تجتمع فيه كل العقول المعارضة بحيث إن ذراع السلطة مهما ضرب لا يصيب إلا الفراغ، فلا شيء أخوف السلطة من العمل المنظم.

وأي عمل ( مبلور ) هو مصيدة رائعة لجواسيس السلطة وأجهزتها الأمنية الضاربة، فيجب أن يتخذ العمل ثلاثة صفات : أن يكون ( علنيًا ) أو ( منظمًا ) على شكل ( كتلة هلامية ) غير مبلورة لا تقوى السلطة على تدميره، وأن يكون نظام الإتصالات فيه فكريًا أكثر منه إداريًا ولكن عنده القدرة على التحول بسرعة إلى تنظيم مبلور.

كما أن هناك عنصرًا تقنيًا في الثورات وهو نظام الإتصالات، وهو في مصلحة الجماهير اليوم من خلال تطور ( الأنفو ميديا ) أي مزيج المعلومات مع الإعلام. ويعزو ” الكواكبي ” فشل الأئمة من آل البيت في التاريخ بإطاحة الحكومات الجائرة إلى عنصر فني هو غياب ( البوستة ) أي عدم وجود نظام لإنتقال المعلومات بسرعة كافية.

ونحن عاصرنا إنفجار الثورة الإيرانية بالكاسيت وبإستخدام أسلوب فني حيد أعظم جيش ضارب في المنطقة ولم تنفع معه أساليب أذكى الأجهزة الإستخباراتية وأشرسها وكان بعكازتين من ( الإضرابات والمظاهرات ).

ومن المهم أن يكون التغيير كما يقول ” الكواكبي ” : ” باللين والتدريج ” بمعنى أن لا يعتمد العمل المسلح ولا يخطط له ولا يفكر فيه، ويكون هذت عقيدة ( إستراتيجية ) وكل من تورط فيه كان من أهل الفتنة لأن العنف يستبدل طاغية بطاغية.

إن أجمل ما صاغه ” الكواكبي ” في وصفة الخلاص من الإستبداد هو الإنتباه إلى أن تغيير الحاكم ليس شرطًا لإنهاء الطغيان بل وضع الكوابح أمامه، ولقد كانت الملكة ” فيكتوريا ” كما ذكر تتمنى أن تحكم عشرة أيام على هواها.

صعد سلوبودان ميلوسوفيتش خلال دهاليز السلطة الشيوعية اليوغسلافية بدهاء ومكر متخفيًا تحت قناع التيتوية ( نسبة للمارشال جوزيف تيتو ).

وكان ذلك القناع قناعًا زائفًا كما أثبتت الأحداث اللاحقة ودخل تاريخ بلاده كـ ” بطل قومي “، وخرج من سجل التاريخ الآن كمجرم عتيد وعنيد مشيعًا بسخط الملايين ومن بينهم بعض قومه، من أسر قتلاه، ومن ملايين البشر الذين رأوا المذابح والتصفيات الإثنية التي أقامها ضد مسلمي ” البوسنة وكوسوفو وكروات صربيا ” وغيرهم.

وكانت نهايته الدرامية في سجن المحكمة الجنائية الدولية، وهو أول رئيس دولة سابق يقف أمامها متهمًا بجرائم التصفية العرقية وإغتيال الخصوم السياسيين ومن بينهم حتى ” رئيسه ” في الحزب الإشتراكي السابق.

صحيح أن المحاكمة لم تنتهِ ولم يصدر ضده الحكم القضائي، لكن حكم البشرية التي روعتها جرائمه قد صدر قبل أن يقف متهمًا أمام المحكمة.

ففي نصر البشرية التقدمية والعدالة الشعبية فإن الشيوعي الأسبق والإشتراكي السابق، قد ألحق أسمه بقائمة طويلة من ” الزعماء ” والحكام الطغاة، شملت أسماء مثل : ” هتلر وموسوليني وفرانكو وبول بوت ” وغيرهم.

والعظة والعبرة في مسيرة سلوبودان ميلوسوفيتش صعوده الدرامي وإنحداره وسقوطه الأكثر درامية، تبقى هي العظة في مسيرة كل الطغاة الذين شهدهم التاريخ القريب.

إن الطاغية – أي طاغية – وهو مدفوع بجنون السلطة والقوة سرعان ما يجد نفسه وقد تخلى تدريجيًا عن تلك المبادىء والشعارات الجميلة البراقة التي تتوق إليها الجماهير – وأي جماهير – تلك التي على أكتافها صعد سلم السُلطة وأحتوى القوة.

وأيضًا سرعان ما يصور لنفسه أنه هو نفسه هذه الجماهير، وتتحول السُلطة إلى سُلطة مطلقة والقوة إلى قوة مطلقة هي ملك يمينه وشماله أيضًا.

وقديمًا قُيل إن السُلطة المطلقة مفسدة وأي مفسدة، إنها في نهاية الأمر قاتلة لصاحبها.

إن الدرس اليوغسلافي يفتح أمام أعيننا أساليب جديدة التغيير في الشرق الغارق بالدم والطغيان.

عن admin

انظر ايضاً

نزار سمير يكتب | ” مقارنة بين القدرات العسكرية لمصر وإثيوبيا ” ..

بعد تصريح لرئيس وزراء إثيوبيا ” آبي أحمد “، فتح فيه باب التكهن بمواجهة عسكرية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *