الرئيسية / مقالات / قضايا / نزار سمير يكتب | الثورة اللبنانية نشأت من وجع الناس ..

نزار سمير يكتب | الثورة اللبنانية نشأت من وجع الناس ..

” مؤسس ورئيس تحرير صحيفة ( الحدث العربي )، ( نزار سمير ) “
الثورة اللبنانية نشأت من وجع الناس، وأفقها رفع الظلم الإقتصادي والإجتماعي عن كاهل الناس. أما الظلم السياسي، فسقط معظمه في الربيع اللبناني في عام 2005 م، فعادت الناس لا تقهر وتسجن بسببٍ من آرائها السياسية. وجع الناس هو القضية الأساسية التي تستحوذ اليوم على وعي الثائرين في الثورة. لا مكان إذاً في الثورة اللبنانية للقضايا الإيديولوجية، وللصراعات الإقليمية، وللمزاحمات الحزبية اللبنانية على السلطة. الأزمات ليست بأمر غريب على لبنان، فقد سبق أن عصفت به حرب أهلية دامت 15 عاما أنتهت في عام 1990 م، ولكن الإضطرابات السياسية هذه المرة أندلعت نتيجة قضايا تتعلق بشكل كبير بالأوضاع الإقتصادية.
 
كان السبب المباشر للإحتجاجات هو خطة حكومية لفرض ضريبة، تقدر بـ ” عشرين سنتا أمريكيا ” إبتداء من عام 2020 م على المكالمة الأولى التي يقوم بها المستخدم يوميا من خلال إستخدامه تطبيق ” واتساب ” الذي أصبح وسيلة إتصال أساسية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأماكن أخرى حول العالم، والرسوم الجديدة كانت في الحقيقة مجرد نقطة تحول إلى شهور من الإحباط العام من عجز الحكومة عن إجتياز البلاد للخروج من أزمة ديون وشيكة، تعتبر رسوم الهاتف المحمول في لبنان من أغلى التكاليف في المنطقة، ولتوفير المال فإن الكثير من اللبنانيين يعتمدون إعتمادا كبيرا على تطبيق ” واتساب ” وغيره من تطبيقات الإتصالات المجانية.
 
ويعتبر لبنان أحد أكثر البلدان مديونية في العالم، وهو يكافح من أجل إيجاد مصادر جديدة للتمويل حيث إن التدفقات الأجنبية التي اعتمد عليها تقليديا قد أنتهت، كما ناقشت الحكومة أيضا زيادة تدريجية في ضريبة القيمة المضافة، والتي تبلغ حاليا 11 %، وتفرض رسوما على البنزين كجزء من ميزانية التقشف المخطط لها، ويلقي الكثير من اللبنانيين باللوم على عقود من المحسوبية والفساد بين الطبقة السياسية في الأوضاع الإقتصادية السيئة والصعبة.
 
إن أراد الثوار اللبنانيون أن تنجح ثورتهم، يجب عليهم أن يختاروا هدفاً واحداً من بين أهداف كثيرة يمكن الثورة أن تسعى إلى تحقيقها. ذلك أن بعضهم يطالب بتغيير الإختبار اللبناني الحضاري الأصلي، وبعضهم يطالب بتغيير النظام الطائفي اللبناني على الفور، وبعضهم يطالب بتغيير السلطة اللبنانية بما هي سلطة بنيوية ظالمة، وبعضهم يطالب بتغيير المسؤولين في مجلس النواب ومجلس الوزراء والإدارات والقضاء ودوائر الهدر والفساد المستشري.
 
لا يمكن الثورة اللبنانية أن تحقق في غضون أسبوع جميع هذه الأهداف. فإذا كان الباعث على الثورة الجوع والظلم والقرف من الطبقة السياسية، كان لا بد في المرحلة الأولى من تغيير المسؤولين المباشرين في الحكومة حتى يأتي آخرون يختارهم الشعب الثائر ليحققوا له العدالة المرجوة. لذلك ينبغي التفكير الجدي في وسيلة التعبير الرسمي عن الثورة، ولكن من غير أن يخضع هذا التعبير لآليات الإستغلال السياسي.
 
خرج اللبنانيون يوم الخميس الماضي على خلفية الضرائب التي فرضتها الحكومة على المواطنين، لا سيما الضرائب على مواقع التواصل الإجتماعي وبخاصة تطبيق ” واتساب ”، هذه الضرائب كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كان الشارع في لبنان محتقناً على خلفية الأزمة الإقتصادية، وبسبب تصاعد الدولار أمام الليرة في الآونة الأخيرة.
 
لا أحد يختلف في الوطن العربي على أن الثورة وحدت اللبنانيون ضد الفقر والفساد والبطالة وسوء الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية للمرة الاولى في تاريخ لبنان بعيدا عن الطائفية والمذهبية المناطقية، هذا سابقة منذ عام 1943 م، خلعت فيها ثوب الطائفية والتعصب الديني، والوعي له دورا كبيرا في الثورة.
 
فوجئت الطبقة السياسية كلها في لبنان بأن حراك الشارع اللبناني قد تخطاها، وأن البيئات جميعا رمال متحركة تحت أقدام السياسيين والزعماء والقادة الذين كانوا حتى الأمس القريب مطمئنين الى أن الشعب قابل بكل ما يفعلون حتى لو سلخوا جلده، حن إذا امام رأي عام جديد لا ينتمي الى أحد ولن يتأثر بأحد وهو كافر بالدولة ومن فيها وبمعظم الأحزاب والقوى السياسية التقليدية، إلا ما ندر.
 
لم تنفع الخطابات السياسية في ثني الشارع عن عزمه وعزيمته، فهو يريدها ثورة كاملة حتى ولو أن شروطها لم تكتمل لتصبح ثورة. فلا يوجد حتى الآن مشروع واضح، ولا قيادة، ولا هدف محدد، وإنما نقمة وغضب ويأس حيال ما هو قائم، وأمل بأن يتغير شيء ما، وأرادت بعض القوى السياسية وفي مقدمها حزب القوات اللبنانية والحزب التقدمي الإشتراكي وحزب الكتائب التموضع مع الناس وتوجيه بوصلة النقمة صوب رئاسة الجمهورية والحكومة وحزب الله.
 
الحل المأمول، هو أن تكون الإجراءات الإصلاحية الحكومية جديدة وجذرية بحيث تُلبي مطالب المتظاهرين وتخفف الإحتقان، وأن يتجاوب معها الناس، أو يعطونها فرصة قبل النزول مجددا الى الشارع.
 
لبنان سيكون أمام أيام حاسمة، فإما الأمل أو الإنفجار، لكن الأكيد أن المحور الذي يعتبر أنه هزم إسرائيل وربح الحرب السورية عسكريا، ليس من النوع الذي سيترك فريقا يعتبره أضعف منه بكثير، يأخذ منه بالشارع ما عجز عنه بالسياسة والأمن.
 
الإحتقان دفع الشعب اللبناني على إختلاف الإنتماءات الطائفية والحزبية للإنطلاق إلى الشارع بهبة عارمة للتعبير عن رفضه للضرائب، خطاب المواطنين في البداية “ بدأ يأخذ منحى آخر، إذ بدأ بالمطالبة بإبطال الضرائب ثم تحول للمطالبة بإستقالة الحكومة، لكنه اليوم يطالب بإستقالة الحكومة والرئيس وكل الطبقة السياسية بما في ذلك المجلس النيابي ”، والمطلب الأساسي للشعب اللبناني الآن هو “ رحيل كل الطبقة السياسية ”.
 
الحكومة اللبنانية تراهن على الورقة الإقتصادية التي جرى تسريبها عبر وسائل الإعلام، إذ تسعى من خلالها إلى تنفيس غضب الناس وتلبية مطالبهم التي كانوا يصدحون بها أول أيام الحراك، والأمور خرجت عن سيطرة الحكومة في هذه الأثناء “ المتظاهرون لم يعد لديهم أية ثقة بالطبقة السياسية التي منحت فرصاً كثيرة منذ سنوات من أجل الإصلاح ومكافحة الفساد وإنقاذ الوضع الإقتصادي في لبنان ”.
 
الشارع اللبناني رد على الورقة الإقتصادية لرئيس الوزراء ” سعد الحريري ” بإستمرار المظاهرات والإصرار على إسقاط النظام، حيث توافد الآلاف على الساحات في المدن اللبنانية، الذي توقع أن تصل أعداد المشاركين إلى مئات الآلاف على اختلاف آرائهم، بين من يريد إسقاط النظام ومن ينصح بتشكيل حكومة تكنوقراط، والورقة الإصلاحية التي قدمها سعد الحريري لن تهدىء من غضب الشارع اللبناني.
 
رئيس حزب ” القوات اللبنانية “، ” سمير جعجع “، أنحاز إلى الشارع، معتبراً عدم إستقالة الحكومة خطأ كبيراً، ودعا إلى تشكيل حكومة تكنوقراط، في المقابل، أنضم حزب الله إلى قائمة الرافضين لإستقالة الحكومة اللبنانية، وسبقه في ذلك الرفض وزيرة الداخلية ” ريا الحسن ” التي قالت إنها لا تؤيد الإستقالة بحجة أنها لا تحقق أي هدف، وقال الأمين العام لحزب الله اللبناني ” حسن نصر الله ” إن حزبه لا يؤيد إستقالة الحكومة وإن البلاد أمامها وقت ضيق لحل الأزمة الإقتصادية.
 
في حال قدم سعد الحريري إستقالته فسيكون من الصعب على الأحزاب المختلفة في الإئتلاف الحاكم تشكيل حكومة جديدة، ومن المرجح أيضاً أن يكون لجماعة ” حزب الله ” نفوذ أكبر في الحكومة الجديدة وهو تغير سيجعل عرض المانحين الدوليين أو دول الخليج العربية المساعدات أو الإستثمارات ضرباً من ضروب المستحيل تقريباً.
 
ومن شأن إقرار الموازنة أن يساعد لبنان على الحصول على مليارات الدولارات التي تعهّد بها المانحون الدوليون العام الماضي، شريطة تطبيق إصلاحات طال انتظارها للقضاء على الهدر في الإنفاق وعلى الفساد.
 
لبنان ستواجه أزمة كبيرة إذا لم تحصل على دعم مالي من الخارج، وسيكون هناك إحتمال لتخفيض قيمة العملة أو حتى التخلف عن سداد الديون في غضون أشهر، الدول التي أعتادت التدخل مالياً لإنقاذ لبنان من الأزمات بشكل يعتمد عليه نفد صبرها بفعل سوء الإدارة والفساد، ولجأت لإستخدام الأزمة الإقتصادية والإجتماعية المتزايدة في الضغط من أجل التغيير، ومنها دول عربية خليجية فتر حماسها لمساعدة لبنان بسبب النفوذ المتزايد الذي يتمتع به حزب الله المدعوم من طهران، وما ترى أنه حاجة لكبح نفوذ إيران المتنامي في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.
 
هناك شروخاً جديدة ظهرت بين الحكومة اللبنانية ومقرضيها من القطاع الخاص مع تبدد الثقة وندرة الدولارات، فبعد سنوات ظلت البنوك تمول الحكومة خلالها متوقعةً أن تواصل العوائد إرتفاعها بدأت تلك البنوك تطالب بتنفيذ الإصلاحات لكسب تأييد الجهات المانحة، إنطلاقاً من إحساسها باقتراب البلاد من الإنهيار، وأنقسم المسؤولون والمصرفيون والمستثمرون فيما إذا كانت الأمور ستصل إلى حد تخفيض قيمة الليرة اللبنانية، وذلك بسبب الإخفاق لسنوات في تنفيذ الإصلاحات وفي ضوء التصميم الجديد بين المانحين التقليديين على المطالبة بها.
 
في مدينة ” صيدا ” بقيت سلطة الجنوب اللبناني بقبضة زعيمي الطائفة الشيعية ” حسن نصر الله ونبيه بري ” منذ الحرب الأهلية إلى اليوم، إلا أن أهل الجنوب كسروا المستحيل وفعلوها وخرجوا في مظاهرات.
 
في مدينة ” صور ” الواقعة في جنوب لبنان، التي تعد واحدة من المعاقل المهمة للثنائية الشيعية في لبنان، أي “ حركة أمل ” و” حزب الله ”، سارت تظاهرات منددة برئيس مجلس النواب ” نبيه بري ( الزعيم الثاني بعد حسن نصر الله للطائفة الشيعية ) “.
 
عبرت هذه التظاهرات عن مزاج شعبي غاضب في الشارع اللبناني، إحتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية، وسوء الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية الذي تُوج بطرح مجلس الوزراء حزمة جديدة من الرسوم، بينها ضريبة على المكالمات التي تُجرى عبر تطبيق “ واتساب ”، مقابل 6 دولارات شهرياً، بهدف زيادة الإيرادات في مشروع ميزانية البلاد لعام 2020 م، فأمتدت التظاهرات من شمال لبنان إلى جنوبه. وعلى رغم أنها المرة الثانية، خلال نحو شهر، التي يخرج فيها اللبنانيون بتظاهرات ضد سياسات الحكومة، إلا أن المشهد كان مختلفاً هذه المرة.
 
اللافت في الجنوب اللبناني هو ثورة اللبنانيين التي أنطلقت من مركز عنصرية السلطة ضد أبرز وجوهها. ففي مدينة ” صيدا ” تعلو الهتافات ضد ” فؤاد السنيورة وسعد الحريري “. تماماً كما تصدح هتافات شيعة الجنوب في وجه السلطة الشيعية في ” صور والنبطية “.
 
المشهد في الجنوب اللبناني بدأت الإحتجاجات المناطقية فيه إستثنائياً في لبنان، مقابل مركزيتها في العاصمة ” بيروت “. كما كان لافتاً كسر حواجز لطالما أعتبرت “ خطوطاً حمراً ” لدى الطائفة الشيعية، التي شكلت بتحركها ركيزة أساسية للشارع اللبناني.
 
فقد أقتحم المحتجون بيوت ومكاتب نواب في “ حزب الله ” و” حركة أمل ”، منهم : ” هاني قبيسي ومحمد رعد وياسين جابر في ( النبطية ) “. كما دخل المحتجون مكتب النائب ” علي بزي في ( بنت جبيل ) وأسقطوا صورته أرضاً “.
 
الغبن الذي يتعرض له أهل الجنوب لم يعد يُحتمل، فهذه المرة الأولى التي تشهد منطقة ” النبطية ” هتافات علنية ضد نبيه بري وزوجته تدينهم بـ ” السرقة “. “ تم إقتحام مبنى بلدية النبطية لأنها متوقفة عن جمع النفايات من الشوارع منذ أكثر من 10 أيام، على رغم أن معمل معالجة النفايات في منطقة ( الكفور ) مجهز منذ سنوات، إلا أنه لم يتم تشغيله بسبب خلافات على المحاصصة ”.
 
في مدينة ” صيدا ” المشهد كان سلمي فقد أتخذ منسقو التحرك قراراً بعدم إشعال الإطارات، فقطعوا الطرق بأجسادهم، وتجنبوا الإحتكاك والإشتباك مع أي جهاز أمني، ومطلب أهالي صيدا هو إسقاط المنظومة السياسية الفاسدة، بدءاً بإستقالة الحكومة وتحديد موعد لإنتخابات نيابية مبكرة، لتشكيل طبقة سياسية جديدة بعيداً من المحسوبيات والمحاصصات.
 
التحركات على جميع الأراضي اللبنانية مطلبها واحد، ونحن على تواصل دائم مع منسقي الإحتجاجات المناطقية، لنكون على مستوى تنسيق موحد، لتشكيل أكبر ضغط ممكن على الحكومة.
 
أما في مدينة ” صور “، هذه المرة الأولى التي يحدث فيها تحرك حقيقي للشارع، لأن الوضع في لبنان لم يعد يطاق، وهناك خوف شعبي من الموازنة الجديدة دفع الشعب إلى النزول.
 
لبنان أكثر الدول مديونية في العالم، وتنتقل ما بين فترة وفترة من أزمة اقتصادية إلى أخرى، كان من الطبيعي أن تشهد إحتجاجات شعبية رفضاً للتراكمات والأثقال الملقاة على أكتاف المواطنين. وقد حصلت إحتجاجات كثيرة، لكن ما حصل الآن هو إنتفاضة ضد الخطوط الحمراء وحواجز الطائفة والزعيم، لعلها بداية تغيير حقيقي خارج قيد الأحزاب والتيارات المذهبية المتصارعة.

عن admin

انظر ايضاً

نزار سمير يكتب | ” مقارنة بين القدرات العسكرية لمصر وإثيوبيا ” ..

بعد تصريح لرئيس وزراء إثيوبيا ” آبي أحمد “، فتح فيه باب التكهن بمواجهة عسكرية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *