الرئيسية / سياسة / تقارير عربية / عسكرة الثروة السمكية في مصر ..

عسكرة الثروة السمكية في مصر ..

بعد إستحواذ الجيش المصري على بحيرة ” البردويل ” شمال سيناء و التضييق على الصيادين فيها ، طمعاً في الإستيلاء على أسماكها ذات الجودة و السمعة العالمية ، سيطر الجيش المصري على مزرعة ” بركة غليون ” أكبر مزرعة للإستزراع السمكي في الشرق الأوسط و إفريقيا و الواقعة بمركز مطوبس بمحافظة كفر الشيخ ، شمالي القاهرة ..
لقد قد تأكد بشكل واضح أن إنحراف الجيش المصري عن مهامه الأصلية في التدريب على العمليات القتالية و إخفاقه في ضبط الحدود الغربية مؤخراً و حفظ الأمن في سيناء من قبل مثل كل الجيوش الوطنية في العالم ، و إنزلاقه إلى الإستثمار في المقاولات و رصف الطرق و إنشاء الكباري ، و صناعة المكرونة و خدمات النظافة و الصوب الزراعية و الإستزراع السمكي ، لم يكن طمعاً أو تعطشاً من قادته ، بل كان بأوامر مباشرة منه ..
و عبثاً حاول عبد الفتاح السيسي أن ينفي تهمة عسكرة مشروع الإستزراع السمكي الضخم في بركة غليون و إستيلاء القوات المسلحة عليها و هو يقول بأسلوبه الخاص ” ما يصحش أن أحنا نقول ده جيش ” ، و قد تبين أن إنشاء الشركة الوطنية للإستزراع السمكي و الأحياء المائية ، و إلحاقها بالهيئة الهندسية للقوات المسلحة بمجرد توليه الحكم منتصف عام 2014 م ، كان من بنات أفكاره و توجيهاته ، و هو السر الذي أذاعه اللواء حمدي بدين رئيس الشركة في حفل إفتتاح مشروع الإستزراع السمكي ببركة ” غليون ” ..
مهما أنكر السيسي إستيلاء الجيش على المزرعة ، فإن كل اللافتات في المزرعة و على أبواب مصانع الثلج و الفوم قد كُتب عليها ” وزارة الدفاع ، جهاز مشروعات الخدمة الوطنية ، الشركة الوطنية للإستزراع السمكي و الأحياء المائية ” عبارة تحت أخرى ، ما يجعل إنكاره مستهجناً و لا معنى له ..
* ملكية بركة ” غليون ” :
مساحة بركة ” غليون ” تزيد على 26 ألف فدان ، لذا فهي أكبر مزرعة سمكية في إفريقيا ، و تتبع الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية حتى أستولى عليها الجيش المصري في شهر يوليو عام من عام 2015 م ، و كان يستأجرها الصيادون في قرية برج مغيزل و خمس قرى أخرى تطل عليها ، و يعيشون هم و أسرهم على ناتج الصيد فيها ، و يدفعون رسوم الإيجار إلى الهيئة ..
إنتاج المزرعة من الأسماك كان غزيراً ، و وصل إنتاجها في عام 1978 م إلى 200 ألف طن من أجود أنواع الأسماك في العالم ، بحسب تصريحات لنقيب الصيادين ، و ذلك قبل إهمالها في عهد المخلوع محمد حسني مبارك و توقف العمل بها رسمياً ، و لكن ظل الصيادون من أبناء المنطقة يصيدون و يتكسبون فيها ..
إن السيسي يخالف الدستور الذي أقسم عليه عندما يغتصب مشروع بركة ” غليون ” من الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية ، سيما أنها الجهة المدنية و الرسمية الوحيدة المختصة قانوناً بملكية و إدارة و الإشراف على كل المزارع السمكية و المسطحات المائية العامة ، و تنمية الثروة السمكية في عموم المصايد المصرية ، و كذا تأسيس شركات قطاع عام متخصصة في الثروة السمكية و ذلك طبقاً لمهامها الموكلة بها في القرار الجمهوري رقم 190 لعام 1983 م ..
بعد إستيلائه على المزرعة ، حرم الجيش الصيادين الفقراء في خمس قرى كاملة تطل على المزرعة السمكية من الصيد فيها ، و ذلك بعد أن تم إنشاء سور محكم حولها بالكامل و بطول 11 كم ، و قام بتركيب كاميرات مراقبة عليه ، و تحولت المزرعة إلى منطقة عسكرية يحظر الإقتراب منها شأنها في ذلك شأن كل المناطق العسكرية في مصر ، ما يضطرهم للصيد في المياه الدولية في ليبيا و تونس و السودان و تعرضهم لحوادث غرق متكررة و القبض عليهم ..
و قلل اللواء بدين من أعداد السكان في القرى المطلة على المزرعة و ذكر أنهم 30 ألفاً ، و الحقيقة أن تعداد البعض منها يزيد منفرداً عن هذا الرقم ، ثم وصفهم أمام السيسي بالسكان المحليين ، دون أن يعترض الأخير ، و هو مصطلح يطلق عادة من جهات أجنبية ، سواء كانت محتلة أو صديقة ، على سكان المنطقة الأصليين ، و كان يحسن به أن يعبر بلفظ ” الأهالي ” بدلاً من السكان المحليين ..
* تدمير الثروة السمكية :
رغم توافر الخبرات الوطنية لدى علماء الهيئة العامة للثروة السمكية المصرية و التي يشهد لهم العالم بالخبرة و الكفاءة ، و قد وضعوا مصر على قمة إفريقيا و الثامن عالمياً في مجال الإستزراع السمكي ، فقد غاب رئيسها و خبرائها تماماً ، أو غيبوا ، عن المشروع و مشهد الإفتتاح ، الذي تم أول من يوم الأحد الماضي ..
تعاقد الجيش المصري بالأمر المباشر مع شركة صينية تدعى ” جوانجدونج إيفرجرين ” لم تبدأ نشاطها في مجال الإستزراع السمكي إلا في عام 1998 م ، و بمبلغ 86 مليون دولار ، بحسب تصريحات الرئيس التنفيذي لموقع ” أندركرنت نيوز ” البريطاني ، ما يعد مخالفة لإجراءات المناقصات الحكومية و إهداراً للمال العام ، و تربحاً لصالح شركة أجنبية مع وجود الخبرات المحلية ..
كفاءة ضباط القوات المسلحة الذين درسوا العلوم العسكرية و تدربوا على المهام القتالية في تنمية الثروة السمكية المصرية و إدارة مزارع الإستزراع السمكي لن تضارع خبرة أجيال من علماء الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية على إمتداد عشرات السنين و قد حققوا نجاحات عالمية ، و قد بدا واضحاً عند سؤال السيسي عن الوسائل الفنية اللازمة لتعظيم إنتاجية الأحواض السمكية ، عدم إلمام رئيس شركة الإستزراع السمكي التابعة للجيش و لا زميله بأسس الإستزراع السمكي الفنية ، و أكتفى أحدهما بقوله ” أطمن يا فندم ” ، و أعترف الثاني بنقص الخبرة التي وعد بإستكمالها في المراحل اللاحقة للمشروع ، و ضحك الجميع ..
الأمر المؤكد هنا أن إستثمار الجيش المصري في الإستزراع السمكي من أجل سد فجوة تقارب 500 ألف طن بين الإنتاج المحلي البالغ 1.5 مليون طن سنوياً و بين حجم الإستهلاك البالغ قرابة 2 مليون طن ، من خلال الإستحواذ على البحيرات و المزارع السمكية و تدمير الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية و شل قدراتها في تنمية المصايد السمكية ، سوف يؤدي إلى تراجع إنتاجية هذه المصايد بمرور الوقت و تزايد معدلات الفقر بين الصيادين المصريين و البحارة و أسرهم البالغ عددها قرابة 2 مليون مواطن ، بخلاف الملاحين و عمال مصانع الثلج و تجار التجزئة ، و قد تزداد الفجوة و يفشل الجيش في علاجها كما فشل في تكليفات السيسي له بضبط أسعار السلع عدة مرات منذ تولى الحكم ..

عن نزار سمير

انظر ايضاً

بالصور : وقفة جماهيرية في مدينة ” غزة ” الفلسطينية رفضًا لسياسات ” الأونروا ” التقليصية ..

نظم في مدينة ” غزة ” الفلسطينية، اليوم الأحد 25 أكتوبر 2020 م، وقفة جماهيرية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *