الرئيسية / تحقيقات / ثورات وإنقلابات / إنقلاب ” المذكرة ” – 12 مارس 1971 م : ثاني إنقلاب عسكري في جمهورية تركيا ..

إنقلاب ” المذكرة ” – 12 مارس 1971 م : ثاني إنقلاب عسكري في جمهورية تركيا ..

شهدت تركيا العديد من الإنقلابات العسكرية من قبل الجيش منذ تأسيس جمهورية تركيا، الإنقلاب العسكري الذي حدث في تركيا في 12 مارس 1971 م، يُعد ثاني إنقلاب عسكري في جمهورية تركيا، بعد أحد عشر عامًا من سابقه الذي حدث في عام 1960 م.

وعُرف بأسم ” إنقلاب المذكرة “، وهي مذكرة عسكرية أرسلها الجيش بدلًا من الدبابات، كما فعل في الإنقلاب السابق، ولقد جاء ذلك وسط تفاقم النزاع الداخلي ولكن في نهاية الأمر لم يحدث تغييرًا يذكر لإيقاف تلك الظاهرة.

وشهدت تركيا العديد من أعمال العنف والإضطرابات طوال أيام الستينيات من القرن العشرين، وأثار الركود الإقتصادي في أواخر هذا العقد موجة من الإضطرابات الإجتماعية والتي تمثلت في المظاهرات التي تجوب الشوارع، وإضرابات العمال، والإغتيالات السياسية.

كما تم تشكيل حركات عمالية وطلابية يسارية تعارضها الجماعات اليمينية القومية المسلحة والإسلامية، وقام الجناح اليساري بتنفيذ هجمات تفجيرية، وعمليات سرقة، وإختطاف، ومنذ نهاية عام 1968 م، وعلى نحو متزايد خلال عامي 1969 و1970 م، كان يقابل العنف اليساري بعنف يميني متطرف، بل ويتجاوزه، خاصة من قبل منظمة ” الذئاب الرمادية ” وعلى الجانب السياسي، عانت أيضًا حكومة رئيس الوزراء ” سليمان ديميريل “، المكونة من حزب ” العدالة اليميني المعتدل ” والتي أُعيد إنتخابها في عام 1969 م، من المشكلة، فقد أنشق العديد من الفصائل داخل حزبه مكونين مجموعات خاصة بهم، مما أدى إلى الحد من أغلبيته البرلمانية تدريجيًا، وبالتالي توقفت العملية التشريعية.

وفي حلول يناير 1971 م، عمت الفوضى أرجاء تركيا، وتوقفت الجامعات عن العمل، وقام الطلاب بسرقة البنوك، وخطف الجنود الأمريكيين، ومهاجمة أهداف أمريكية محاكين بذلك العصابات الحضرية في أمريكا اللاتينية، كما تم قصف منازل أساتذة الجامعات الذين ينتقدون الحكومة من جانب نشطاء الفاشية الجديدة، وكان هناك إضراب في المصانع، وتوقف العمل منذ 1 يناير وحتى 12 مارس 1971 م عن أي عام سابق، وأصبحت الحركة الإسلامية أكثر عدوانية، وقام حزبها حزب ” النظام الوطني “، برفض ” أتاتورك والفكر الكمالي ” بشكل علني، مما أثار غضب القوات المسلحة، وبدت حكومة ” سليمان ديميريل “، التي أضعفتها الإنشقاقات، مشلولة وعاجزة عن محاولة إيقاف ثورات الجامعات والعنف في الشوارع وغير قادرة على إصدار أي قوانين جادة بشأن الإصلاح الإجتماعي والمالي.

قام رئيس هيئة الأركان العامة التركية، ” ممدوح تاجماك “، في 12 مارس بتسليم رئيس الوزراء مذكرة تصل لحد إنذار أخير من القوات المسلحة، وطالب فيها بتشكيل حكومة قوية ذات مصداقية في إطار المبادىء الديمقراطية، تضع حدًا للوضع الفوضوي الحالي وتطبق، من خلال وجهات نظر أتاتورك، القوانين الإصلاحية المنصوص عليها في الدستور، لإنهاء الفوضى، والصراع بين الأشقاء، والإضطرابات الإجتماعية والإقتصادية، وإذا لم تتم تلبية هذه المطالب فإن الجيش سوف يمارس واجبه الدستوري ويتولى السُلطة.

وقدم ” سليمان ديميريل ” إستقالته بعد إجتماع أستمر ثلاث ساعات مع حكومته، وأستنكر زعيم المعارضة والسياسي المخضرم، ” عصمت إينونو “، بشدة أي تدخل عسكري في السياسة، وفي حين كانت الأسباب الدقيقة للتدخل متنازعًا عليها، كان هناك ثلاثة دوافع شاملة وراء المذكرة. أولًا يرى كبار القادة أن ” سليمان ديميريل ” فقد السيطرة على الحكم، ولم يتمكن من التعامل مع الإضطرابات العامة المتزايدة كما عجز عن ملاحقة الإرهاب السياسي، ولذلك فهم يرغبون في إعادة الإستقرار للبلاد. ثانيًا، يبدو أن العديد من الضباط لم يكونوا مستعدين لتحمل مسؤولية الإجراءات العنيفة للحكومة، مثل ما حدث من قمع للمتظاهرين من العمال في إسطنبول في يونيو الماضي، ويعتقد الأعضاء الأكثر تطرفًا أن الإكراه وحده لا يكفي لإيقاف الإضطرابات الشعبية والحركات الثورية الماركسية وأن الإصلاحية الإقتصادية والإجتماعية التي خلفها إنقلاب 1960 م لابد وأن توضع قيد التنفيذ. وأخيرًا، أستنتجت أقلية من كبار الضباط أنه كان من المستحيل أن يحدث تقدم في نظام ديمقراطي ليبرالي، وأن التسلط سيجعل من تركيا أكثر مساواة وإستقلالية وعصرية، بينما رأى ضباط آخرون ضرورة التدخل ولو حتى لإحباط هذه العناصر المتطرفة فقط.

لم يكُن الإنقلاب أمرًا مفاجئًا لمعظم الأتراك، ولكن الإتجاه الذي سار فيه كان غير مؤكد، كما أن طبيعته الجماعية جعلت من الصعب تمييز أي فصيل من القوات المسلحة تولى المبادرة، وكان أمل النخبة الفكرية الليبرالية أن يكون الجناح الراديكالي للإصلاح بقيادة قائد القوات الجوية، ” محسن باتور “، هو من فضل تنفيذ الإصلاحات المنصوص عليها في دستور عام 1961 م، وبالتالي شجعتهم المذكرة، وتبددت آمالهم عندما تبين أن القيادة العُليا قد أستولت على السُلطة ويحركها شبح الخطر الشيوعي، وليس جماعة راديكالية من الضباط كما هو الحال في عام 1960 م، وكانت هناك شائعات بأن القيادة العُليا عملت على إستباق حركة مماثلة من خلال صغار الضباط، وعلى ما يبدو فلقد تم تأكيد الفكرة عندما تقاعد عدد من الضباط بعد فترة وجيزة من المذكرة، وتم إعطاء الأولوية لإستعادة القانون والنظام، ويعني هذا من الناحية العملية قمع أي جماعة ينظر إليها على أنها يسارية.

وفي يوم الإنقلاب رفع النائب العام دعوى قضائية ضد حزب ” العمال ” في تركيا لقيامة بدعاية شيوعية ودعم النزعة الإنفصالية الكردية، كما سعى أيضًا لإغلاق كافة المنظمات الشبابية التابعة لـ ” Dev – Genç “، إتحاد ” شباب الثورة ” التركي، والذي ألقي عليه مسؤولية عنف الشباب اليساري، والتحريض في الجامعات والمدن، وقام أفراد الشرطة بتنفيذ عمليات تفتيش في مكاتب نقابة المعلمين والنوادي الجامعية.

وأثارت هذه الإجراءات أعمال القصاص من جانب ” الشباب المثالي “، الجناح الشبابي لحزب ” العمل القومي “، وأصبح معلمو القطاعات وأنصار حزب ” العمال ” أهدافًا رئيسية. ويبدو أن الدافع الرئيسي لقمع اليسار كان للحد من تمرد إتحاد ” نقابات العمال “، والمطالبة بزيادة الأجور، وتحسين ظروف العمل.

تردد القادة الذين أستولوا على السلطة من ممارستها مباشرة، ويردعهم عن ذلك المشاكل التي واجهت المجلس العسكري اليوناني، ولم يكُن لديهم خيار آخر غير الحكم من خلال مجلس يكون أغلبه من المحافظين، والأحزاب المناهضة للإصلاح، وحكومة ” فوق الأحزاب ” والتي كان من المتوقع أن تنفذ تلك الإصلاحات، وكان على قادة الجيش إعطاء الأوامر من خلف الكواليس، وقاموا في 19 مارس بإختيار الأستاذ ” نهات إريم ” لقيادة تلك الحكومة، والذي كان مقبولًا من حزب ” العدالة ” والفصيل الأكثر تحفظًا من حزب ” الشعب الجمهوري “، وشملت أيضًا ” إينونو ” الذي تقبل الجنرالات بمجرد اطإختيارهم لزميله المقرب، ولكن هذا أثار غضب الأمين العام للحزب، ” بولنت أجاويد “، ودفعه إلى الإستقالة من منصبه، ومن جانبه، دعا ” سليمان ديميريل ” حزبه إلى إلتزام الهدوء، وقام ” نهات إريم ” بتشكيل حكومة تكنوقراطية من خارج المؤسسة السياسية للعمل على تنفيذ برنامج القادة العسكريين للإصلاح الإجتماعي والإقتصادي.

وأستند النظام على توازن غير متكافىء للسُلطة بين الساسة المدنيين والجيش، فلم تكُن حكومة منتخبة طبيعية ولا ديكتاتورية عسكرية صريحة والتي من الممكن أن تتجاهل تمامًا المعارضة البرلمانية.

وفي إبريل، تم حجب السياسة وتم تأجيل الإصلاحات المتوقعة إلى ما بعد عام 1973 م وذلك عندما عصفت موجة جديدة من الإرهاب من خلال جيش التحرير الشعبي التركي، في شكل عمليات الإختطاف مع طلب الفدية والسطو على البنوك، وأكدت مصادر إستخباراتية الشائعات التي تقول بأن المنشقين من صغار الضباط والطلاب العسكريين هم من يوجهون تلك القوة، وفي 27 إبريل، أعلنت الأحكام العرفية في 11 مقاطعة من ضمن 67 مقاطعة، بما في ذلك المناطق الحضرية الرئيسية والمناطق الكردية، وبعدها تم حظر المنظمات الشبابية، ومنع الإجتماعات النقابية، وحظر منشورات اليساريين ” غير الفاشية الجديدة المتشددة “، وإعتبار الإضرابات غير شرعية، بعد خطف القنصل الإسرائيلي في 17 مايو، تم إعتقال وتعذيب مئات الطلاب، والشباب الأكاديميين، والكُتاب، والنقابيين التجاريين، ونشطاء حزب العمال ـ ليس فقط اليساريون ولكن من يؤيدون الليبرالية التقدمية. وتم قتل القنصل بعد أربعة أيام من فرض حظر التجوال نهارًا.

وأستمر القمع لمدة عامين، مع تجديد القوانين العرفية كل شهرين، وألغت التعديلات الدستورية بعضًا من بقايا الليبرالية الأساسية من دستور عام 1961 م، وسمحت للحكومة بسلب الحقوق الأساسية في حالة ” سوء الإستخدام “، أستخدمت منظمة ” الإستخبارات الوطنية ( MIT ) ” فيلا زيفربي كمركز للتعذيب، وأستعملوا الإكراه النفسي والبدني، كما نشط في نفس المبنى عصابات مضادة، مع إجراء تحقيقات من قبل متخصصين تابعين لهم أساسًا ومدربين في وكالة ” المخابرات المركزية “، مما أدى إلى سقوط قتلى ووقوع إصابات دائمة، وكان من ضمن الضحايا الكاتب الصحفي، ” أوغور مومجو “، الذي تم إعتقاله بعد وقت قصير من الإنقلاب، والذي كتب فيما بعد أن من قاموا بتعذيبه أخبروه أنه حتى الرئيس لا يمكنه الإقتراب منا.

وتولى ” فريت ميلين ” رئاسة الوزراء في إبريل 1972 م، والذي أحدث تغييرًا بسيطًا، وتبعه بعد عام ” نعيم تالو ” الذي كانت وظيفته الرئيسية قيادة البلاد حتى الإنتخابات، وتمت إعادة التأكيد على أهمية السُلطة المدنية في إشارة واضحة حدثت في ما بين شهري مارس وإبريل 1973 م، وذلك عندما رفض ” سليمان ديميريل وبولنت ” على غير المتوقع خيار الجنرالات للرئاسة بدلًا من إنتخاب ” فخري ثابت كوروتورك ” لهذا المنصب من قبل المجلس، وفي حلول صيف 1973 م، حقق النظام المدعوم من الجيش معظم مهامه السياسية، وتم تعديل الدستور وذلك لتقوية الدولة ضد المجتمع المدني، وتعاملت محاكم خاصة مع جميع أشكال المعارضة بسرعة وبلا رحمة حيث تم تقديم 3000 شخص لهذه المحاكم قبل إلغائها في عام 1976 م، وأستخدمت الجامعات التي أنتهت إستقلاليتها لكبح التطرف من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، وتم فرض القيود على الإذاعة والتليفزيون والصحف مع تقليص مهام المحكمة الدستورية، وأعطي ” مجلس الأمن القومي ” مزيدًا من الصلاحيات، وبمجرد حل حزب ” العمال ” في يوليو 1971 م، تم إسترضاء النقابات التجارية وتركها في فضاء إيديولوجي.

وفي شهر مايو هذا تم إيقاف حزب ” النظام الوطني ” والذي يترأسه ” نجم الدين أربكان “، والذي أدعت الحكومة أنه أظهر عدم تحيزه في حملة مكافحة الإرهاب، لكنه لم يحاكم وسمح له بإستئناف نشاطه في أكتوبر 1972 م، وتُرك حزب ” العمل الوطني ” والإرهابيون من ” الجناح اليميني ” الذين يعملون تحت حمايته بمفردهم بشكل واضح.

وفي أكتوبر 1973 م، فاز ” أجاويد “، الذي كان قد تفوق على منافسه ” إينونو ” بتقلده زعامة حزب ” الشعب الجمهوري “، فوزًا كاسحًا في الإنتخابات العامة التركية لعام 1973 م، ومع ذلك، عادت نفس المشاكل التي أبرزتها المذكرة للظهور مرة أخرى، كما ساهم نظام الحزب المنقسم والحكومات غير المستقرة تحت وطأة ” الأحزاب اليمينية الصغيرة ” في حدوث حالة الإستقطاب السياسي، كما تدهورت الحالة الإقتصادية، ونمت منظمة ” الذئاب الرمادية ” وكثفت من الإرهاب السياسي مع مرور فترة السبعينيات، وقامت جماعات يسارية أيضًا بأعمال تهدف إلى إحداث الفوضى والإنهيار الأخلاقي، وفي عام 1980 م، في محاولة لإستعادة النظام، نفذ الجيش إنقلابًا عسكريًا آخر.

عن admin

انظر ايضاً

ما هي أسباب الإحتجاجات التي أندلعت في إيران ؟

الإحتجاجات في إيران أندلعت في قرية ” سرجان ” وسط إيران، وخرجت مظاهرات في عدد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *