الرئيسية / مقالات / أحمد النجار يكتب خلاصة وتعريف عن : كتابه ” مصر والعرب ومبادرة الحزام والطريق. ومستقبل النموذج الصيني ” ..

أحمد النجار يكتب خلاصة وتعريف عن : كتابه ” مصر والعرب ومبادرة الحزام والطريق. ومستقبل النموذج الصيني ” ..

كتاب “مصر والعرب ومبادرة الحزام والطريق ومستقبل النموذج الصيني” (دار ابن رشد)، يناقش مستقبل النموذج الصيني وفرص استمراره كنموذج لاقتصاد السوق الاشتراكي أو تحوله لرأسمالية بيروقراطية أو رأسمالية خاصة. هذا القسم موجه لأهل الاقتصاد وللمهتمين بدراسة مستقبل النموذج الاشتراكي الصيني.

هل تواصل الصين التقدم نحو الاشتراكية أم تتحول للرأسمالية البيروقراطية أو الخاصة؟

تشكل الطبيعة الأيديولوجية للنظام الاقتصادي-الاجتماعي-السياسي الصيني محددا مهما للغاية لتوجهاته وأهدافه من وراء مبادرة الحزام والطريق. والصين كدولة يحكمها الحزب الشيوعي تقوم على مدار السنوات الـ 68 منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 وحتى الآن بإنجاز التحول في الاقتصاد الصيني من اقتصاد كان متخلفا ومحكوما بنظم شبه اقطاعية وما قبل رأسمالية عموما إلى اقتصاد يحقق منجزات التحول والتحديث الرأسمالي ضمن دولة عمالية تحت سلطة وإدارة الحزب الشيوعي وضمن آليات عالية الفعالية لمكافحة الفقر. وقد تمتع النموذج الصيني بدرجة عالية من اشتراكية الإنتاج والتوزيع في عهد الزعيم الصيني ماوتسي تونج عند مستويات من الفقر العام الموروث من اقتصاد كان مدمرا بصورة شبه كلية عند تأسيس جمهورية الصين الشعبية. لكن الاقتصاد الصيني أصبح مختلطا منذ الانفتاح الاقتصادي الواسع النطاق بداية من عهد الزعيم الصيني دينج شياو بينج والسماح للرأسمالية الأجنبية بالاستثمار والعمل والملكية في الصين، ثم السماح للمواطنين الصينيين بالاستثمار في غالبية المجالات. وبدأ الحديث عن نموذج صيني خاص يقوم على قواعد اقتصاد السوق الاشتراكي.

وبالنسبة لاشتراكية الإنتاج فإنها تراجعت من الهيمنة الشاملة على الاقتصاد بعد أن تعاظم دور القطاع الخاص المحلي والمستثمرين الأجانب في الاقتصاد الصيني. لكن شركات الدولة ما زالت مهيمنة كليا على الصناعات الاستخراجية والموارد الطبيعية العامة وتشكل الجانب الأكبر من الصناعات التحويلية حتى الآن. كما أن القواعد الحاكمة للاستثمارات الخاصة المحلية والأجنبية والآليات المحددة لتوزيع القيمة المضافة بين أرباب العمل والعاملين لديهم هي التي تحدد إلى حد كبير مدى عدالة نموذج اقتصاد السوق الاشتراكي الذي يؤكد الزعيم الحالي للحزب الشيوعي الصيني شي جين بينج أن بلاده ستستمر في التمسك به بلا تزعزع ولا تردد. كما يؤكد أيضا على أن “باب الصين سيظل مفتوحا لجميع المستثمرين الأجانب”.

وتشير البيانات بوضوح إلى أن الاستثمارات الخاصة كنسبة من إجمالي الاستثمارات تتزايد على نحو سريع. وبعد أن كانت تمثل نسبة هامشية من إجمالي الاستثمارات حتى سبعينيات القرن العشرين، ارتفعت إلى 33,8% من إجمالي الاستثمارات الثابتة في عام 1990، وواصلت الارتفاع لتبلغ 45,8% من تلك الاستثمارات عام 1998. كما ارتفع رصيد القروض المحلية المقدمة للقطاع الخاص لتمويل مشروعاته من 87,7% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1990 إلى 122% عام 1999 إلى 130% عام 2010. وتحاول الصين تطوير ما تسميه اقتصاد السوق الاشتراكي القائم على توجيه الاستثمارات والإنتاج بالاسترشاد بالطلب الفعال في الأسواق المحلية والأجنبية. أما اشتراكية التوزيع التي تحددها نظم الأجور والضرائب والتحويلات الاجتماعية والدعم السلعي ودعم الخدمات الصحية والتعليمية والخدمات العامة عموما، فإنها أصبحت محل جدل موضوعي في ظل نمط توزيع الدخل الراهن في الصين والذي يعد أقل عدالة من غالبية الدول الرأسمالية الكبرى ومن عدد كبير من الدول النامية والاقتصادات الاشتراكية السابقة المتحولة لاقتصادات رأسمالية وفقا لبيانات البنك الدولي المأخوذة من بيانات رسمية صينية والمدرجة آنفا في الجدول الخاص بتوزيع الدخل المقارن في الصين ودول مختارة.

وقد أثبتت الخبرة التاريخية الحديثة ان فكرة حرق مرحلة من مراحل التطور الاقتصادي-الاجتماعي هو أمر شبه مستحيل ومحفوف بمخاطر الارتداد غير المنظم والمفعم بالتشوهات والانتقام من النموذج الذي حاول القفز على الحتميات التاريخية بحرق إحدى مراحل التطور الاجتماعي-الاقتصادي الإنساني.

ومن البديهي أن إنجاز التحول والتحديث الرأسمالي تحت حكم نظام اشتراكي وبوجود الحزب الشيوعي في الحكم يعني أن القيادات التقنية والإدارية هي التي تتولى إنجاز هذا التحول بصورة أساسية، وهي شكل من أشكال رأسمالية الدولة المحكومة بقواعد عمل الدولة العمالية أو النظام الاشتراكي. وإذا كانت رأسمالية الدولة حسب أجناسي ساكس “تمثل أعلى درجة من اشتراكية الإنتاج الرأسمالي”، فإنها ليست نمطا سرمديا، بل هي مرحلة انتقالية تفضي عند نضجها واستكمال تحقيق الدور التاريخي لها إلى نموذج ونمط آخر. وعلى حد تعبير توني كليف فإن “رأسمالية الدولة هي الحد النظري الأقصى الذي يمكن أن تصل إليه الرأسمالية، فهي بالضرورة أبعد أشكال الرأسمالية عن الرأسمالية التقليدية. إنها نفي الرأسمالية على أساس الرأسمالية نفسها. وبالمثل فإن الدولة العمالية هي أدنى مراحل المجتمع الاشتراكي الحديث وهي بالضرورة ذات سمات مشتركة مع رأسمالية الدولة”. ويضيف “أن رأسمالية الدولة هي مرحلة انتقالية إلى الاشتراكية إذا نظرنا إلى أحد جوانب الثورة الاشتراكية” وهذا الجانب المقصود هو الملكية الاجتماعية العامة لوسائل الإنتاج.

وكان شارل بتلهيم قد حذر لدى دراسته لرأسمالية الدولة في بعض النماذج الإفريقية من أن “نمو رأسمالية الدولة مهدد بأن ينزلق إلى الرأسمالية الخاصة أو أن يتحلل إلى رأسمالية بيروقراطية”. وبالمقابل فإن لينين يفرق بين رأسمالية الدولة في ظل النظام الرأسمالي والتي نمت بالذات في زمن الحرب العالمية الأولى، حيث يعتبر أنها العمل العقابي العسكري للعمال، والدفاع عسكريا عن أرباح الرأسماليين، وبين رأسمالية الدولة الاحتكارية في ظل دولة ديموقراطية ثورية حيث تعني رأسمالية الدولة الاحتكارية في الحالة الأخيرة التقدم نحو الاشتراكية بالضرورة.

والحقيقة أن القيادات التقنية والإدارية التي تدير الأصول العامة لصالح الشعب تحت حكم الحزب الشيوعي في الصين هي أمر ضروري لإنجاز التحول الرأسمالي المحكوم بقيم التقدم والعدالة الاشتراكية. لكن تحقيق تلك القيادات لمستوى من التراكم المالي الكبير يوجد تناقضات موضوعية لا حصر لها. كما أن وجود ذلك التراكم المالي لديها مع احتفاظها بالسلطة السياسية يجعلها تقارن نفسها كطبقة وكأفراد ذوي سلطة عليا برأسمالية القطاع الخاص التي تم السماح لها بالوجود والعمل وحققت ثروات ومستويات استهلاكية بالغة الارتفاع والترف، بما يرفع سقف التطلعات الاستهلاكية والترفية والمالية لرأسمالية الدولة، ونزوعها أفرادا وطبقة إلى التحول إلى رأسمالية بيروقراطية تدير الأصول العامة لمصلحتها الخاصة، أو إلى رأسمالية القطاع الخاص. كما أن رأسمالية القطاع الخاص المحلية والأجنبية العاملة في الصين بشكل مباشر قد توسعت بسرعة هائلة تضع علامات استفهام كبرى ومنطقية ومشروعة حول مستقبل النظام الاقتصادي-الاجتماعي-السياسي الصيني وطبيعته الأيديولوجية.

وهذا الأمر يطرح التساؤل حول مآل النموذج الصيني.. هل يتحلل إلى رأسمالية بيروقراطية أو خاصة، أم يستمر في التقدم على طريق الاشتراكية بتعميق الطابع الاجتماعي الكامل للإنتاج بمختلف الصور والأشكال، وتجذير العدالة في توزيع الناتج القومي بمختلف الآليات؟
ويكتسب هذا التساؤل مشروعيته من أن الصين في الأصل هي أحد المعاقل التاريخية لبيروقراطية الدولة التي تتحكم في الاقتصاد وحتى في تسيير النظام السياسي والعسكري. وفي تفسيره للتفوق التقني للصين على الحضارة الأوروبية الغربية حتى نهاية العصور الوسطى، يشير آر. أيه. بوكانان إلى أن “أفضل تفسير لهذا النمط التطوري هو أن المجتمع الصيني في مجمله ظل خاضعا على مدى الثلاثة آلاف عام لسلطة (الماندارين) أو طبقة كبار الموظفين (بيروقراطية الدولة). ويمثل هؤلاء أرستقراطية مثقفة لا تتوارث السلطة وتخضع عند الاختيار لتولي مناصبها لاختبارات وامتحانات قائمة على المنافسة. ويمارسون قوة وسلطة عظيمتين باسم الامبراطور الذي عهد إليهم بهما للعمل في خدمته”. ويضيف: “هذه الطبقة لم تكن معادية لظهور تجديدات تقنية بين الحين والآخر شريطة أن تخدم هدفا يفيد هذه الطبقة. كما يمكن أن يتمثله النظام الاجتماعي القائم بسهولة. وهكذا تطورت التكنولوجيا الصينية ببطء لكن بثبات”.

وفي هذا الصدد يقول انجلز “ان الموظفين إذ يتمتعون بالسلطة العامة وبحق جباية الضرائب باعتبارهم هيئات المجتمع، يصبحون فوق المجتمع، فالاحترام الطوعي الاختياري الذي كانت تحظى به هيئات مجتمع العشائر لم يعد يكفيهم حتى فيما لو كان باستطاعتهم اكتسابه، إنهم إذ يملكون سلطة تغدو غريبة عن المجتمع، إنما يتعين عليهم أن يسعوا إلى نيل الاحترام لأنفسهم بقوانين استثنائية يتمتعون بفضلها بقداسة خاصة وحصانة خاصة. فلأحقر شرطي في الدولة المتمدنة سلطان يفوق سلطان جميع هيئات المجتمع العشائري معا، ولكن بوسع أقوى ملك وأكبر رجل دولة أو قائد عسكري من عصر الحضارة أن يغبطوا (يحسدوا) أبسط شيخ عشيرة على ما يلقاه من احترام أكيد لم يُفرض بالعصا”. وتلك السلطة الممنوحة لموظفي العموم عرضة دائما لإساءة الاستخدام. كما أنها تشكل قاعدة للتحولات الاقتصادية-الاجتماعية-السياسية السلبية إذا لم توضع ضوابط صارمة على استخدامها، وإذا لم تكن هناك آليات رسمية وشعبية قوية ومحكمة لمنع ومكافحة الفساد.

عن نزار سمير

انظر ايضاً

ناشط سوري يتحدث في مقال له في مجلة بريطانية عن تخوفه من إنتشار فيروس « كورونا » في السجون السورية ..

كتب الناشط السوري عمر الشغري في مجلة “نيوز ستيتمان” البريطانية مقال له عن تخوفه من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *